محمد باقر الملكي الميانجي
24
مناهج البيان في تفسير القرآن
يشرب لا كلّ برد أعمّ ممّا يذوق الإنسان من النوم والشّراب والهواء . بل الظّاهر في المقام هو الماء البارد فقط في مقابل الشّراب المطلق من الأشربة الطيّبة الّتي تسكّن الحرارة . فلا حاجة إلى تأويل البرد بكلّ ما يستريح به الإنسان من الظلّ والنوم والماء وغيرها ، كي تصحّ مقابلته بالشراب . ولا وجه لتأويل قوله تعالى : « لا يَذُوقُونَ » أي : لا ينالون . ولا يخفى أنّ قوله تعالى : « لا يَذُوقُونَ » كلام مستقلّ منفصل عن الآية السّابقة . ومفاد هاتين الآيتين من جملة أهوال القيامة وأفزاعها الشّديدة . وقد سيقتا في مورد التهديد والتّهويل جزاء على العصاة والجناة . فلا دليل على ما يقال إنّ قوله تعالى : « لا يَذُوقُونَ » حال من الفاعل في قوله تعالى : « لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً » وكذلك ما يقال : إنّه نعت للأحقاب . قوله تعالى : « إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً ( 25 ) » . الحميم : الماء الحارّ . والغسّاق : الصديد ؛ وهو القيح الخارج من الجروح . وكلاهما مشروبان ؛ إلّا أنّ الأوّل يقابل الماء البرد ، والثاني يقابل الشراب من غير الماء . وهذا قرينة أخرى على ما ذكرنا في الآية السّابقة من أنّ البرد هو الشراب من الماء ، والشراب هو الأشربة النّافعة الدافعة الحرارة . قوله تعالى : « جَزاءً وِفاقاً ( 26 ) » . الظّاهر أنّ قوله تعالى : « جَزاءً » مفعول له . أي : إنّ تلك العقوبات تفعل بهم جزاء لكفرهم وعصيانهم . وقوله تعالى : « وِفاقاً » مفعول مطلق نصب بفعل من جنسه . أي : يوافق الجزاء أعمالهم وفاقا . وما ذكر أنّ وفاقا مصدر بمعنى الفاعل ؛ أي : جزاء موافقا ، فمتوقّف إثباته وإحرازه على استعمال المصدر بمعنى الفاعل سماعا أو بحسب القاعدة . وقد اضطرب كلام المفسّرين في تفسير قوله تعالى : « جَزاءً وِفاقاً » في موافقته ، وفي معنى موافقة الجزاء للأعمال . قال الرازيّ في تفسيره 31 / 16 : وفي المعنى وجهان : الأوّل : إنّه تعالى أنزل بهم عقوبة شديدة بسبب أنّهم أتوا بمعصية شديدة ، فيكون